عبد الوهاب بن علي السبكي

98

طبقات الشافعية الكبرى

فإن قلت فما تقولون فيما ينقل عن السلف من أنه إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وهذا مستفيض فيما بينهم لا يجحده إلا المكابرون قلت تمهل قليلا واسمع ما نلقيه عليك وإن كان ثقيلا واعلم أن قولهم اعتقاد بالجنان لا إشكال فيه وقولهم إقرار باللسان هو النطق بالشهادتين ولعلهم جعلوا ذلك ركنا في الإيمان فيكون الإيمان مركبا من الاعتقاد والإقرار وهو أحد الروايتين في تفاريع المذهب الأول وليس بالبعيد وإن كان الأظهر جدلا خلافه وقولهم وعمل بالأركان يمكن أن يراد به الكف عن ما يصدر بالجوارح فيوقع في الكفر من السجود للأصنام وإلقاء المصحف في القاذورات فاضبط هذا فبه يجتمع لك كلام السلف والخلف ولا أدعي أنه حقيقة مراد القوم غير أني أجوز ذلك وأسند إلى لفظة الأركان وأنا وإن لم أقطع بأنه المراد فأقطع بأنه لا دلالة في العبارة على رد مذهب القائلين بأنه التصديق لما ذكرت من أن الأركان جائز أن يعني بها الكف عن المكفرات ودائما أقول عبارتان للقدماء مستفيضتان يتناقلهما المتأخرون معتقدين أن المراد بهما شيء واحد وعندي أن اللفظ لا يساعد على ذلك إحداهما هذه العبارة فإن الأركان أجزاء الماهية فلا يثبت على السلف أنهم يقولون بأن الطاعات المفروضة أو مطلق الطاعات إيمان كلها إلا أن يثبت عليهم أن كلها أركان ولم يثبت ذلك بعد بل لفظ الأركان صريح أو كالصريح في خلافه إذ ليس كل طاعة ينتفي الإيمان بانتفائها بل لم يقل ذلك في شيء من مباني الإسلام غير كلمتي الشهادتين إلا في الصلاة عند من يكفر بتركها ثم لم يقل بذلك على إطلاقه بل قال بكفر دون كفر وليستا الآن كذلك